أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
328
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
« بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد . الحمدُ لله مقدار نعمه وإن جلّت عن الحصر ، ومبلغ علمه وإن تعالى عن الحدّ ، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، المتفضّل لجوده المتعالي في كمال وجوده . وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، سيّد الدعاة إليه وأكرم الرسل عليه صلّى الله عليه ، وعلى أطائب عترته والصفوة المنتجبة من ذريّته . أيّها المؤمنون . . أنتهز هذه الفرصة السعيدة لأبارك لكلّ فردٍ منكم ولجميع المؤمنين في الأقطار الإسلاميّة بهذه المناسبة الكريمة ، مناسبة ذكرى مولد سيّد الأمّة وأبي الأئمّة سيّدنا أمير المؤمنين عليه وعلى عترته الطيّبة أفضل الصلاة والسلام . أيّها المؤمنون . . ليس الغرض من هذه الاحتفالات المقدّسة هو مجرّد الحضور والاستماع إلى ما يُلقى فيها من نظمٍ ونثرٍ ، وإنّما الغرض منها هو الاستفادة من حياة الإمام ( ع ) وجعلها نبراساً لنا نستضيئُ بنوره ونهتدي بهداه ، فلقد كان الإمام ( ع ) بعد الرسول الأكرم المثل الأعلى لجميع الصفات الحميدة والخصال الكريمة التي دعا إليها الإسلام في تعاليمه وحرص عليها في محكم كتابه . لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ « 1 » . أيّها المؤمنون . . جديرٌ بنا أن نقف حيث اختار الله لنا من دينه وأن لا نتعدّى ما وصف لنا من حدوده ، وإنّها لكرامةٌ كبرى ومنزلةٌ رفيعةٌ أن يختار الله لعبده ما يحبُّ فيأمره به ، وأن يعرّفه ما يبغضه فينهاه عنه . إنّها لكرامةٌ على الله ومنزلةٌ رفيعةٌ عنده أن يكون هو الناظر لعبده في جميع أعماله ، فيكشف له ما في العمل من صلاحٍ أو فساد ، ويوضح له ما في السلوك من خيرٍ أو شر ، وليس على العبد بعد ذلك إلّا أن يمتثل ، وليس عليه إلّا أن يرتقي ، فقد نصب له السلّم ويسّر له السبيل ووضع له الدليل وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِيناً « 2 » . وما عسى الإنسان أن يختار بعد خيرة الله ، وما عساه أن ينظر بعد نظره . . جديرٌ بالمسلم أن يقف حيث اختار الله له من دينه ، وأن يعتزَّ بهذا الحباء الذي حباه الله به ، والمنزلة التي بوّأه إيّاها ، وأن ينصرف جهده إلى استجلاء أسرار الدين واكتشاف غوامض التكوين ، فكلاهما تتجلّى فيه دقائق الحكمة وعظمة التنظيم ، لنقف على دينٍ يقول سيّد دعاته بعد مؤسّسه الأوّل : « والله لو أعطيب الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلبَ شعيرةٍ ما فعلت » « 3 » .
--> ( 1 ) البقرة : 177 ( 2 ) الأحزاب : 36 ( 3 ) نهج البلاغة : 347 .